رسم
ج ا رٍ ي ا ل ت ح م ي ل . . .

العلم فضل من الله يهبه لمن يشاء 1.                

العلم فضل من الله يهبه لمن يشاء 1.                

العلم فضل من الله يهبه لمن يشاء 1.                

▪️والعلم رزقٌ يرزقه الله جل جلاله من يشاء من عباده، {ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء}، وهو سبحانه يبثه بين عباده كيف يشاء، فيبسطه لمن يشاء، ويصرفه عمن يشاء، وهو سبحانه الكريم الوهاب الفتاح، قد يهب الصغار ما لا يهبه الكبار، وقد يفتح على بعض المتأخرين بما لم يفتحه على المتقدمين، روى عبد الرزاق الصنعاني في مصنفه ( 20946 ) عن معمر عن الزهري قال: كان مجلس عمر مغتصا من القراء شبابا كانوا أو كهولا، فربما استشارهم فيقول: (لا يمنع أحدا منكم حداثة سنه أن يشير برأيه، فإن العلم ليس على حداثة السن ولا قدمه، ولكن الله يضعه حيث شاء).
▪️وقد أخبر الله في كتابه أنه فهَّم سليمان مسألة لم يفهمها داوود عليهما الصلاة والسلام، مع كونه نبيا ملكا قد علمه الله مما يشاء، فقال سبحانه: {وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين * ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما}، فهذان نبيان كريمان حكما في حكومة واحدة فخص الله أحدهما بفهمها مع صغره، ومع وجود أبيه داود عليه الصلاة والسلام.
▪️قال ابن مالك النحوي في مقدّمة كتابه تسهيل الفوائد وتكميل المقاصد: " وإذا كانت العلومُ مِنَحاً إلهية، ومواهبَ اختصاصيةً فغيرُ مستبعَدٍ أن يُدَّخَر لبعض المتأخِّرين ما عسُرَ على كثيرٍ من المتقدِّمين، أعاذنا الله من حسدٍ يسدُّ بابَ الإنصاف ويصدُّ عن جميل الأوصاف".
وعلق المرتضى الزَّبيديُّ على كلام ابن مالك فقال: "والمعنى أن تَقدُّم الزمان وتأخُّرَه ليست له فضيلةٌ في نفسه؛ لأن الأزمانَ كلَّها متساويةٌ، وإنما المعتَبر الرجالُ الموجودون في تلك الأزمان، فالمصيبُ في رأيه ونقلِه ونقدِه لا يضرُّه تأخُّرُ زمانِه الذي أظهره اللهُ فيه، والمخطئ الفاسدُ الرأيِ الفاسدُ الفهمِ لا ينفعه تقدُّم زمانِه، وإنما المُعاصرة كما قيل: حِجابٌ والتقليد المَحْضُ وبالٌ على صاحبه وعذاب. وأنشدنا شيخنا الأديب عبد الله بن سلامة المؤذن:
قُلْ لمَن لا يرى المُعاصِرَ شيئاً  ويرى للأوائل التَّقْديما
إنَّ ذاك القديمَ كانَ حديثاً  وسَيُسمَّى هذا الحديثُ قَديما".
▪️وقال حاجي خليفة في مقدِّمة كشف الظنون: "واعلم أن نتائجَ الأفكار لا تقف عند حدٍّ، وتصرُّفاتِ الأنظار لا تنتهي إلى غاية، بل لكل عالم ومتعلم منها حظٌّ يُحْرزه في وقته المقدَّر له، وليس لأحدٍ أن يزاحمه فيه؛ لأن العالَم المعنوي واسعٌ كالبحر الزاخر، والفيضَ الإلهي ليس له انقطاعٌ ولا آخر، والعلومُ منحٌ إلهية ومواهبُ صَمَدانية، فغير مستبعد أن يُدَّخَر لبعض المتأخِّرين ما لم يدَّخر لكثير من المتقدِّمين فلا تغترَّ بقول القائل: "ما ترك الأول للآخر"، بل القول الصحيح الظاهر: "كم ترك الأول للآخر" فإنما يُستجَاد الشيء ويُسترذَل لجَوْدته ورداءته لا لقِدَمه وحدوثه. ويقال: ليس بكلمةٍ أضرَّ بالعلم من قولهم: "ما ترك الأول شيئاً" لأنه يقطع الآمال عن العلم، ويحمل على التقاعد عن التعلم، فيقتصر الآخر على ما قدَّم الأولُ من الظواهر وهو خطر عظيم وقول سقيم، فالأوائل وإن فازوا باستخراج الأصول وتمهيدها فالأواخر فازوا بتفريع الأصول وتشييدها" .
▪️ولا يعني هذا أن يخالف المتأخر الإجماع، أو يتكلم في العلم بالهوى والظنون والأوهام، فإن هذا ضلال مبين، وجهل عظيم، قال الله تعالى: { ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا }، وإنما المراد أن المتأخر قد يفتح الله عليه بأشياء من العلم فاتت كثير من المتقدمين، فيستنبط من الكتاب والسنة الصحيحة ما لم يستنبطه من قبله، أو يظهر له دليل فات الاستدلال به من قبله، أو يظهر له ضعف قول راج على كثير ممن قبله، ونحو ذلك مما لا يخالف النصوص، ولا الإجماع الصحيح، مع الاعتراف بفضل علم السلف على علم الخلف، ولابن رجب في تقرير ذلك رسالة نافعة معروفة
والأمام الشوكاني رحمه الله كلام جميل جدا في كتابه أدب الطلب ومنتهي الارب إذ قال العلم بالبركة .
▪️روى البخاري في صحيحه عن أبي جحيفة قال: قلت لعلي بن أبي طالب: هل عندكم كتاب؟ قال: (لا، إلا كتاب الله، أو فهم أعطيه رجل مسلم)، قال القسطلاني في شرح هذا الأثر: "يفهم منه جواز استخراج العالم من القرآن بفهمه ما لم يكن منقولا عن المفسرين إذا وافق أصول الشريعة". إرشاد الساري ج١ص ٢٠٤، وينظر: تفسير الرازي ج٩ص٤٩٠، وتفسير ابن عاشور ج١ ص٣٠. 
▪️وما أحسن ما قاله ابن الحاج في المدخل ج١ ص٧٥: "عجائب القرآن والحديث لا تنقضي إلى يوم القيامة، كل قرن لا بد له أن يأخذ منه فوائد جمة خصه الله بها، وضمها إليه؛ لتكون بركة هذه الأمة مستمرة إلى يوم القيامة".