تفسير من قوله تعالى: {يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاء} الى قوله تعالى: {وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ}
723:57
July 17
هذا الأثر المنقول عن الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، بلفظ :" اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ كَتَبْتَنِي فِي أَهْلِ السَّعَادَةِ، فَأَثْبِتْنِي فِيهَا. وَإِنْ كُنْتَ كَتَبْتَ عَلَيَّ الذَّنْبَ وَالشِّقْوَةَ ، فَامْحُنِي وَأَثْبِتْنِي فِي أَهْلِ السَّعَادَةِ ، فَإِنَّكَ تَمْحُو مَا تَشَاءُ وَتُثْبِتُ ، وَعِنْدَكَ أُمُّ الْكِتَابِ ". والأثر : أخرجه الطبري في "تفسيره" (13/564) ، والدولابي في "الكنى والأسماء" (635) ، وابن بطة في "الإبانة" (1565) ، واللالكائي في "شرح أصول اعتقاد أهل السنة" (1206) ، جميعا من طريق أبي حكيمة ، قال : سَمِعْتُ أَبَا عُثْمَانَ النَّهْدِيَّ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ وَهُوَ يَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ: "اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ كَتَبْتَنِي فِي أَهْلِ السَّعَادَةِ فَأَثْبِتْنِي فِيهَا ، وَإِنْ كُنْتَ كَتَبْتَ عَلَيَّ الذَّنْبَ وَالشِّقْوَةَ فَامْحُنِي وَأَثْبِتْنِي فِي أَهْلِ السَّعَادَةِ ، فَإِنَّكَ تَمْحُو مَا تَشَاءُ وَتُثْبِتُ ، وَعِنْدَكَ أُمُّ الْكِتَابِ ". وإسناده حسن كما قال ابن كثير في "مسند الفاروق" (2/549) . فإن أبا حكيمة عصمة ، قال فيه أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل" (7/20) :" محله الصدق ". انتهى. وأبو عثمان النهدي هو عبد الرحمن بن مل ، ثقة مشهور . ثانيا: مما يتعلق بهذا الدعاء مسألة مشهورة ، وهي : هل يتغير ما كتب من قدر العبد ، سواء كان في اللوح المحفوظ ، أم في صحف الملائكة ؟ وهل هو عام في كل شيء ، أم يستثنى منه الحياة والموت والسعادة والشقاوة ؟ وهذه المسألة ذكرها الإمام الطبري في "تفسيره" (13/564) ، واستقصى فيها أقوال السلف : فمنهم من يرى : أن ما كتب لا يتغير مطلقا . ومنهم من يرى : أن ما يتغير هو ما في أيدي الملائكة ، دون ما كان في اللوح المحفوظ . ومنهم من يرى : أنه قد يغير الله المكتوب ، سوى الحياة والموت ومنهم من يرى : أنه لا مانع من أن يغير الله القدر المكتوب مطلقا ، وهذا ينقل عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، واستظهره القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" (9/329) . قال شيخ الإسلام في "مجموع الفتاوى" (14/490) :" وَالْجَوَابُ الْمُحَقَّقُ: أَنَّ اللَّهَ يَكْتُبُ لِلْعَبْدِ أَجَلًا فِي صُحُفِ الْمَلَائِكَةِ ، فَإِذَا وَصَلَ رَحِمَهُ ، زَادَ فِي ذَلِكَ الْمَكْتُوبِ ، وَإِنْ عَمِلَ مَا يُوجِبُ النَّقْصَ ، نَقَصَ مِنْ ذَلِكَ الْمَكْتُوبِ . وَنَظِيرُ هَذَا : مَا فِي التِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ آدَمَ لَمَّا طَلَبَ مِنْ اللَّهِ أَنْ يُرِيَهُ صُورَةَ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ ، فَأَرَاهُ إيَّاهُمْ ، فَرَأَى فِيهِمْ رَجُلًا لَهُ بَصِيصٌ ، فَقَالَ مَنْ هَذَا يَا رَبِّ؟ فَقَالَ ابْنُك دَاوُد . قَالَ: فَكَمْ عُمُرُهُ؟ قَالَ أَرْبَعُونَ سَنَةً . قَالَ: وَكَمْ عُمْرِي؟ قَالَ: أَلْفُ سَنَةٍ . قَالَ فَقَدْ وَهَبْت لَهُ مِنْ عُمْرِي سِتِّينَ سَنَةً . فَكُتِبَ عَلَيْهِ كِتَابٌ ، وَشَهِدَتْ عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ ، فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ قَالَ : قَدْ بَقِيَ مِنْ عُمْرِي سِتُّونَ سَنَةً . قَالُوا: وَهَبْتهَا لِابْنِك دَاوُد . فَأَنْكَرَ ذَلِكَ ، فَأَخْرَجُوا الْكِتَابَ . قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَنَسِيَ آدَمَ ، فَنَسِيَتْ ذُرِّيَّتُهُ ، وَجَحَدَ آدَمَ ، فَجَحَدَتْ ذُرِّيَّتُهُ . وَرُوِيَ أَنَّهُ كَمَّلَ لِآدَمَ عُمُرَهُ، ولدَاوُد عُمُرَهُ . فَهَذَا دَاوُد كَانَ عُمُرُهُ الْمَكْتُوبُ أَرْبَعِينَ سَنَةً ثُمَّ جَعَلَهُ سِتِّينَ. وَهَذَا مَعْنَى مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: اللَّهُمَّ إنْ كُنْت كَتَبَتْنِي شَقِيًّا ، فَامْحُنِي وَاكْتُبْنِي سَعِيدًا ؛ فَإِنَّك تَمْحُو مَا تَشَاءُ وَتُثْبِتُ . وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ عَالِمٌ بِمَا كَانَ ، وَمَا يَكُونُ ، وَمَا لَمْ يَكُنْ ، لَوْ كَانَ كَيْفَ كَانَ يَكُونُ ؛ فَهُوَ يَعْلَمُ مَا كَتَبَهُ لَهُ ، وَمَا يَزِيدُهُ إيَّاهُ بَعْدَ ذَلِكَ ، وَالْمَلَائِكَةُ لَا عِلْمَ لَهُمْ ، إلَّا مَا عَلَّمَهُمْ اللَّهُ . وَاَللَّهُ يَعْلَمُ الْأَشْيَاءَ قَبْلَ كَوْنِهَا ، وَبَعْدَ كَوْنِهَا ؛ فَلِهَذَا قَالَ الْعُلَمَاءُ: إنَّ الْمَحْوَ وَالْإِثْبَاتَ فِي صُحُفِ الْمَلَائِكَةِ ، وَأَمَّا عِلْمُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ فَلَا يَخْتَلِفُ ، وَلَا يَبْدُو لَهُ مَا لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِهِ ؛ فَلَا مَحْوَ فِيهِ وَلَا إثْبَاتَ . وَأَمَّا اللَّوْحُ الْمَحْفُوظُ : فَهَلْ فِيهِ مَحْوٌ وَإِثْبَاتٌ ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ " انتهى.612:39
وقال ابن القيم في "شفاء العليل" (ص90) :" ومما ينبغي أن يُعلم : أنه لا يمتنع ، مع الطبع والختم والقفل : حصول الإيمان ؛ بأن يَفُك الذي ختم على القلب وطبع عليه وضرب عليه القفل ، ذلك الختم والطابع والقفل ، ويهديه بعد ضلاله ، ويعلمه بعد جهله ، ويرشده بعد غيه ، ويفتح قفل قلبه بمفاتيح توفيقه التي هي بيده ، حتى لو كتب على جبينه الشقاوة والكفر ، لم يمتنع أن يمحوها ، ويكتب عليه السعادة والإيمان . وقرأ قارئ عند عمر بن الخطاب: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ، وعنده شاب فقال : اللهم عليها أقفالها ، ومفاتيحها بيدك ، لا يفتحها سواك . فعرفها له عمر وزادته عنده خيرا . وكان عمر يقول في دعائه: " اللهم إن كنت كتبتني شقيا ، فامحني واكتبني سعيدا ، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت . فالرب تعالى فعال لما يريد ، لا حجر عليه " انتهى. فمما سبق يتضح أن دعاء عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، يدل على أن الله يغير ما كتب للعبد من قدر الشقاوة أو السعادة ، إن شاء ، لا معقب لحكمه، ولا راد لفضله سبحانه