سيرة الحبيب المصطفى ﷺ . الحلقة الثانية والأربعون
استهزاء قريش من الدعوة .
نحن الآن في السنة الرابعة للدعوة وقد مضى ثلاث سنوات والدعوة سرآ .
والآن في السنة الرابعة بدأت الدعوة الى دين الله جهرا .
فبدأت قريش بالمضايقات والاستهزاء والتعذيب لأصحاب رسول الله ﷺ .
منهم من استشهد رضي الله عنه تحت التعذيب .
ومنهم من قاسى وتحمل أشد انواع التعذيب حتى فرج الله عنه .
الرسول ﷺ يتعرض لحملات تشويه لاتنتهي .
فيقال عنه انه مجنون ويقال انه ساحر ويقال انه شاعر ويقال انه كاهن .
وخارج مكة في القبائل العربية أصبح يصل الناس اخبار أن في مكة ساحر عظيم .
قريش تضيق على رسول الله ﷺ فلا تعطي الفرصة لأحد أن يسمع القرآن ولا تعطي الفرصة للنبي أن يكلم أحد .
ابو لهب يلاحق النبي وينفر الناس من الاستجابة لدعوة محمد ﷺ .
حتى عمر بن الخطاب قبل اسلامه كان يخافه الناس فيمشي خلف النبي وينهى الناس عن التحدث له مخافة من عمر .
فلا يجرؤ أحد أن يتحدث أو يستمع الى النبي ﷺ .
كانوا إذا قرأ الرسول ﷺ القرآن يصفرون ويحدثون ضجيجآ قويا يغطون به على صوت القرآن .
ورغم كل هذا كان الرسول ﷺ يبذل جهده لايكل ولايمل من متابعة الدعوة .
وكان يدعوا الناس في مواسم الحج عندما تاتي الناس الى الكعبة
وكان كلما تنزلت الآيات يأتي ﷺ ويصلي عند الكعبة ويقرآ لتسمع قريش آيات القرآن .
لقد اهتم القرآن الكريم في مكة بآيات قصص الأمم السابقة وما فيها من وعيد .
وفيها من الآيات ما يثبت به قلب النبي ﷺ ودعوته لتحمل أذى قريش له ولأصحابه .
فيها من الآيات ما يتودد به الله الى المسلمين بذكر من سبقهم من الامم وكيف أثابهم الله على ايمانهم .
جاء رجل "ابي بن خلف" الى النبي ﷺ وهو يحمل عظم رميم "متفتت"
قال . أترى يا محمد يحي هذه ربك بعدما قد رم .
فأنزل الله سبحانه .
أَوَلَمْ يَرَ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ (77) وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ ۖ قَالَ مَن يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (78) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (79) الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ (80) أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَىٰ وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (81) إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ (82) فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (83)
سورة ياسين .
يامن تستغرب من هذا العظم الرميم . انظر لنفسك من أي شيء خلقت .
خلقت من نطفة واذا بك تخاصم الله سبحانه .
قالوا كيف لمحمد أن يكون نبي ومستجاب الدعوة و نحن أغنى منه وهو فقير .
لو أن الله أرسل رسولآ من الملائكة .
كيف لمحمد أن يكون رسولآ وهو يأكل مما نأكل ويمشي في السوق وهو يريد أن يتفضل علينا .
وَقَالُوا مَالِ هَٰذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ ۙ لَوْلَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (7) أَوْ يُلْقَىٰ إِلَيْهِ كَنزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَّسْحُورًا (8) انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (9) تَبَارَكَ الَّذِي إِن شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِّن ذَٰلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَل لَّكَ قُصُورًا (10)
سورة الفرقان .
يقولون محمد فقير ويريد أن يكون ملكآ علينا والملوك لا تمشي في الاسواق .
فيرد عليهم تبارك وتعالى .
تَبَارَكَ الَّذِي إِن شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِّن ذَٰلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَل لَّكَ قُصُورًا (10) بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا (11)
سورة الفرقان .
يقولون . يامحمد لا نؤمن حتى تنزل علينا من السماء كتابآ من عند الله ومعه اربعة من الملائكة يشهدون أنك رسول الله .
فيرد عليهم الله سبحانه وتعالى .
وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ (7) وَقَالُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ ۖ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًا لَّقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنظَرُونَ (8)
سورة الانعام .
هذا كان حال النبي ﷺ مع قريش .
كان كلما أقبل أو مر بجانبهم أو ذهب يسمعوه كلام استهزاء .
قالوا هذا ابن ابي كبشة يكلم من السماء .
هذا راعي الغنم يكلم السماء .
كان ﷺ يسمع كلامهم ويسكت ويعود الى بيته متعبآ و حزينآ .
تستقبله خديجة رضي الله عنها فتواسيه وتخفف عنه احزانه ولا تتركه حتى ترى الابتسامة في وجهه .
اشتد الوحي وبدأ يدعو النبي أن يبين لقومه سخافة هذه الاصنام التي يصنعوها ويعبدوها وسفاهة صنيعهم وآباءهم .
وأنزل الله تعالى .
إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (98) لَوْ كَانَ هَٰؤُلَاءِ آلِهَةً مَّا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ (99) لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ (100)
سورة الأنبياء .
غضبت قريش لهذا الكلام وقالوا محمد يسب آلهتنا .
وجاء كبير الشعراء في قريش واسمه "عبدالله ابن الزبعري" الى النبي ﷺ وقال له .
يامحمد هذا الشيء الذي تقوله .
إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ .
هو لآلهتنا خاصة أم لكل ما عبد من دون الله .
قال ﷺ . كل ماعبد من دون الله .
فقال . الست تزعم أن الملائكة عباد صالحون وأن عيس عبد صالح وأن عزير عبد صالح .
قال ﷺ بلى .
فقال عبدالله بن الزبعري . كل هؤلاء قد عبدوهم الناس . هل هؤلاء حصب لجهنم .
فصاح اهل مكة ومنهم من أخذ يصفق ...
فنزلت الآية الكريمة .
إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَىٰ أُولَٰئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (101) لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا ۖ وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ (102) لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَٰذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ (103)
سورة الانبياء .
وقال تعالى .
وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ۗ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (170)
سورة البقرة .
وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَىٰ مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا (61)
سورة النساء .
وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَىٰ مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ۚ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (104)
سورة المائدة .
هنا لما رأت قريش أن القرآن يسخر منهم ومن آلهتهم أخذتهم حمية الجاهلية .
كيف يسفه هذا النبي أحلامهم وأحلام آبائهم الى قلة العقل .
فاجتمعوا وذهبو الى ابو طالب .