آداب طالب العلم؟
يا طالب علم القرآن، هتف العلم بالعمل إن أجابه وإلا ارتحل.
خزان وحي الله لم ير غيرهم
أهلًا لحفظ كلامه المختار
لكن عليهم أن يقوموا بالذي
فيه من المشروع للأبرار
صدق وإخلاص وحسن عبادة
وقيام ليل مع صيام نهار
وتورع وتزهد وتعفف
وتشبه بخلائق الأخيار
وديانة وصيانة وأمانة
وتجنب لخلائق الأشرار
وأداء فرض واجتناب محارم
ياحامل القران إن تك هاكذا فلك الهنا بفوز عقبى الدار
ومتى أضعت حدوده لم تنتفع بحروفه وسكنت دار بوار
يجب على طالب العلم أن يقصد بعلمه وجهَ الله:
مَن أراد أن يطلب العلم، فليُخلِص في طلبه؛ لأن العلم عبادة، ولا تُقبَل العبادة إلا مع الإخلاص، قال -تعالى-: ﴿ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ ﴾ [البينة: 5].
وفي الصحيحين عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال: سمعتُ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ((إنما الأعمال بالنيَّات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى دنيا يُصِيبها أو إلى امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه)).
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة - رضي الله عنه -: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ((إن أولَ الناس يُقضَى يوم القيامة عليه: رجلٌ استُشهد فأُتي به فعرَّفه نعمه فعَرَفها، قال فما عملت فيها؟ قال: قاتلتُ فيك حتى استشهدت، قال: كذبتَ، ولكنك قاتلتَ لأنْ يقال: جريء، فقد قيل، ثم أمر به فسُحِب على وجهه حتى ألقي في النار، ورجل تعلَّم العلم وعلَّمه وقرأ القرآن، فأتي به فعرَّفه نعمه فعَرَفها، قال: فما عملتَ فيها؟ قال: تعلَّمت العلم وعلَّمته وقرأتُ فيك القرآن، قال: كذبتَ، ولكنك تعلَّمتَ العلم ليقال: عالم، وقرأتَ القرآن ليقال: هو قارئ، فقد قيل، ثم أُمِر به فسُحِب على وجهه حتى ألقي في النار، ورجل وسَّع الله عليه، وأعطاه من أصناف المال كله، فأُتي به فعرَّفه نعمه فعَرَفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: ما تركتُ من سبيلٍ تحب أن يُنفَق فيها إلا أنفقتُ فيها لك، قال: كذبتَ، ولكنك فعلتَ ليقال: هو جَوَاد، فقد قيل، ثم أُمر به فسُحب على وجهه، ثم ألقي في النار))
ومن الإخلاص أن تنوي بطلب العلم:
• أن ترفع الجهلَ عن نفسك.
• أن تعبدَ الله على بصيرة.
• أن تتقرَّب إلى الله بطلب العلم؛ لأن طلبَه جهاد.
• أن تتعبَّد لله بطلب العلم؛ لأن مدارسته عبادة.
• أن تزداد به خشية، ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ ﴾ [فاطر: 28].
• أن ترتفع به عند الله درجات، ﴿ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ [المجادلة:
وليحذرْ طالبُ العلم أن ينويَ بالعلم تحصيلَ الدنيا:
فقد روى أبو داود - بسند حسن - عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((مَن تعلَّم علمًا مما يُبتغَى به وجهُ الله - عز وجل - لا يتعلَّمه إلا ليصيبَ به عرَضًا من الدنيا لم يجدْ عَرْف الجنة يوم القيامة))؛ يعني: ريحها
الرحلة في طلب العلم:
ينبغي لطالب العلم أن يجتهد في التحصيل، وأن يقسم وقته بين حضور الدروس، والحفظ، والمذاكرة، والمطالعة، فإن سَمِع بعالِم من أهل السنة يُدَرِّسُ علمًا رحل إليه، فهذا الصحابي الجليل جابر بن عبدالله - رضي الله عنه - يسافر مسيرةَ شهر كامل ليأخذ حديثًا واحدًا؛
الآداب على جهة العموم
هي
آداب طالب العلم
أولاً: الصبر
ثانياً: إخلاص العمل
ثالثاً: العمل بالعلم
رابعاً: دوام المراقبة
خامساً: اغتنام الأوقات
سادساً: الحذر من الاشتغال باختلاف العلماء
سابعاً: الضبط والإتقان
ثامناً: مطالعة الكتب
تاسعاً: اختيار الصاحب
عاشراً وأخيراً: التأدب مع الشيخ
والتفصيل
آداب طالب العلم
هناك جملة من آداب طلب العلم ينبغي على من طلب العلم أن يتحلى بها، فإليك هذه الوصايا والآداب في طريق الطلب لعل الله أن ينفعك بها:
أولاً: الصبر
أيها الأخ الكريم.. إن طلب العلم من معالي الأمور، والعُلَى لا تُنال إلا على جسر من التعب. قال أبو تمام مخاطباً نفسه:
ذريني أنالُ ما لا يُنال من العُلى فصَعْبُ العلى في الصعب والسَّهْلُ في السَّهل
تريدين إدراك المعالي رخيـصة ولا بد دون الشهد من إبَر النحـــل (الشَّهد هو العسل)
وقال آخر:
دببت للمجد والساعون قد بلغوا جُهد النفوس وألقـوا دونـه الأُزرا
وكابدوا المجد حتى ملَّ أكثرُهُم وعانق المجد من أوفى ومن صبرا
لا تحسبن المجد تمراً أنت آكله لن تبلغ المجد حتى تَلْعَقَ الصَـبِرَا (الصَبِردواءٌ مُرٌّ)
فاصبر وصابر، فلئن كان الجهاد ساعةً من صبر، فصبر طالب العلم إلى نهاية العمر. قال الله تعالى:
يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ سورة آل عمران؟200).
ثانياً: إخلاص العمل
الزم الإخلاص في عملك، وليكن قصدك وجه الله والدار الآخرة، وإياك والرياء، وحب الظهور والاستعلاء على الأقران فقد قال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ لِيُجَارِيَ بِهِ الْعُلَمَاءَ أَوْ لِيُمَارِيَ بِهِ السُّفَهَاءَ أَوْ يَصْرِفَ بِهِ وُجُوهَ النَّاسِ إِلَيْهِ أَدْخَلَهُ اللَّهُ النَّارَرواه النسائي (2654) وحسنه الألباني في صحيح النسائي.
وبالجملة: عليك بطهارة الظاهر والباطن من كل كبيرة وصغيرة.
ثالثاً: العمل بالعلم
اعلم بأن العمل بالعلم هو ثمرة العلم، فمن علم ولم يعمل فقد أشبه اليهود الذين مثلهم الله بأقبح مثلٍ في كتابه فقال: مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَسورة الجمعة/5
ومن عمل بلا علم فقد أشبه النصارى، وهم الضالون المذكورون في سورة الفاتحة.
وبالنسبة للكتب التي تدرسها فقد ذُكِرَت في السؤال رقم :(20191 ) فليُراجع للأهمية.
رابعاً: دوام المراقبة
عليك بالتحلي بدوام المراقبة لله تعالى في السر والعلن، سائراً إلى ربك بين الخوف والرجاء، فإنهما للمسلم كالجناحين للطائر، فأقبل على الله بكليتك، وليمتلئ قلبك بمحبته، ولسانك بذكره، والاستبشار والفرح والسرور بأحكامه وحِكَمِه سبحانه.
وأكثر من دعاء الله في كل سجود، أن يفتح عليك، وأن يرزقك علماً نافعاً، فإنك إن صدقت مع الله، وفقك وأعانك، وبلغك مبلغ العلماء الربانين.
خامساً: اغتنام الأوقات
أيها اللبيب... "بادر شبابك، وأوقات عمرك بالتحصيل، ولا تغتر بخدع التسويف والتأميل، فإن كل ساعة تمضي من عمرك لا بدل لها ولا عوض عنها، واقطع ما تقدر عليه من العلائق الشاغلة، والعوائق المانعة عن تمام الطلب وابذل الاجتهاد وقوة الجد في التحصيل ؛ فإنها كقواطع الطريق، ولذلك استحب السلف التغرب عن الأهل، والبعد عن الوطن ؛ لأن الفكرة إذا توزعت قصرت عن درك الحقائق وغموض الدقائق، وما جعل الله لرجلٍ من قلبين في جوفه، وكذلك يُقال العلم لا يعطيك بعضه حتى تعطيه كُلَّك.
سادساً: الحذر من الاشتغال باختلاف العلماء
إياك أن تشتغل في بداية الطلب بالاختلاف بين العلماء، أو بين الناس مطلقاً، فإنه يحير الذهن، ويدهش العقل، وكذلك الحذر من المصنفات ؛ فإنه يضيع زمانك ويفرق ذهنك، بل أعطِ الكتاب الذي تقرؤه أو الفن الذي تأخذه كليتك حتى تُتقنه، واحذر من التنقل من كتاب إلى كتاب من غير موجب ؛ فإنه علامة الضجر وعدم الفلاح. وعليك أن تعتني من كل علم بالأهم فالأهم.
سابعاً: الضبط والإتقان
احرص على تصحيح ما تريد حفظه تصحيحاً متقناً ؛ إما على شيخ أو على غيره مما يعينك، ثم احفظه حفظاً محكماً ثم أكثر من تكراره وتعاهده في أوقات معينه يومياً، لئلا تنسى ما حفظته.
ثامناً: مطالعة الكتب
بعد أن تحفظ المختصرات وتتقنها مع شرحها وتضبط ما فيها من الإشكالات والفوائد المهمات، انتقل إلى بحث المبسوطات، مع المطالعة الدائمة، وتعليق ما يمر بك من الفوائد النفيسة، والمسائل الدقيقة، والفروع الغريبة، وحل المشكلات، والفروق بين أحكام المتشابهات، من جميع أنواع العلوم، ولا تستقل بفائدة تسمعها، أو قاعدة تضبطها، بل بادر إلى تعليقها وحفظها.
ولتكن همتك في طلب العلم عالية ؛ فلا تكتفِ بقليل العلم مع إمكان كثيره، ولا تقنع من إرث الأنبياء صلوات الله عليهم بيسيره، ولا تؤخر تحصيل فائدة تمكنت منها ولا يشغلك الأمل والتسويف عنها ؛ فإن للتأخير آفات، ولأنك إذا حصلتها في الزمن الحاضر ؛ حصل في الزمن الثاني غيرها.
واغتنم وقت فراغك ونشاطك، وزمن عافيتك، وشرخ شبابك، ونباهة خاطرك، وقلة شواغلك، قبل عوارض البطالة أو موانع الرياسة.
وينبغي لك أن تعتني بتحصيل الكتب المحتاج إليها ما أمكنك ؛ لأنها آلة التحصيل، ولا تجعل تحصيلها وكثرتها (بدون فائدة) حظك من العلم، وجمعها نصيبك من الفهم، بل عليك أن تستفيد منها بقدر استطاعتك.
تاسعاً: اختيار الصاحب
احرص على اتخاذ صاحب صالح في حاله، كثير الاشتغال بالعلم، جيد الطبع، يعينك على تحصيل مقاصدك، ويساعدك على تكميل فوائدك، وينشطك على زيادة الطلب،ويخفف عنك الضجر والنصب، موثوقاً بدينه وأمانته ومكارم أخلاقه، ويكون ناصحاً لله غير لاعبٍ ولا لاه." انظر تذكرة السامع لابن جماعة.
" وإياك وقرين السوء؛ فإن العرق دساس، والطبيعة نقالة، والطباع سراقة، والناس كأسراب القطا مجبولون على تشبه بعضهم ببعض، فاحذر معاشرة من كان كذلك فإنه المرض، والدفع أسهل من الرفع.
عاشراً وأخيراً: التأدب مع الشيخ
بما أن العلم لا يؤخذ ابتداءً من الكتب، بل لابد من شيخ تتقن عليه مفاتيح الطلب، لتأمن من الزلل، فعليك إذاً بالأدب معه، فإن ذلك عنوان الفلاح والنجاح، والتحصيل والتوفيق. فليكن شيخك محل إجلال منك وإكرام وتقدير وتلطف، فخذ بمجامع الأدب مع شيخك في جلوسك معه، والتحدث إليه، وحسن السؤال، والاستماع، وحسن الأدب في تصفح الكتاب أمامه، وترك التطاول والمماراة أمامه، وعدم التقدم عليه بكلام أو مسير أو إكثار الكلام عنده، أو مداخلته في حديثه ودرسه بكلام منك، أو الإلحاح عليه في جواب، متجنباً الإكثار من السؤال لا سيما مع شهود الملأ ؛ فإن هذا يوجب لك الغرور وله الملل، ولا تناديه باسمه مجرداً، أو مع لقبه بل قل: " يا شيخي، أو يا شيخنا ".
وإذا بدا لك خطأ من الشيخ، أو وهم فلا يسقطه ذلك من عينك، فإنه سبب لحرمانك من علمه، ومن ذا الذي ينجو من الخطأ سالماً.". انظر حلية طالب العلم للشيخ بكر أبو زيد.
نسأل الله لنا ولك التوفيق والثبات، وأن يُرينا اليوم الذي تكون فيه عالماً من علماء المسلمين، مرجعاً في دين الله، إماماً من أئمة المتقين، آمين..
أوصيكم يامعشر الشبان ........... عليكمُ بطاعة الرحمن
إياكمُ أن تهملوا أوقاتكم ........... فتندموا يوماً على ما فاتكم
وإنما غنيمة الإنسان ............... شبابه والخسر في التواني
ما أحسن الطاعةَ للشبان .......... فاسعوا لتقوى الله يا إخواني
وعمروا أوقاتكم بالطاعة .......... والذكر كل لحظة وساعة
ومن تفته لحظة في عمره .......... تكن عليه حسرة في قبره
وإن يكن فرَّط في شبابه .......... حتى مضى عجبت من تبابه
ومن يقل إني صغير اصبروا ........ ثم أخاف الله حين أكبروا
فإن ذاك غرَّه إبليس ............. وقلبه مغفلٌ مطموس
لاخير فيمن لم يتب صغيرا ....... ولم يكن بعيبه بصيرا
أحب رب توبة الشبان ......... بفوزهم بجنة الرضوان
وتب إلى مولاك يا إنسان ....... من قبل أن يفوتك الزمان
واصحب من الإخوان كل مهتدي ...... إن القرين يالقرين يقتدي
وصحبة الأخيار للقلب دواء ....... تزيد في القلب نشاطا وقوى
وصحبة الأرذال داء وعمى ....... تزيد في القلب السقيم سقما
فإن تبعت سنة النِبيء .............. فاجتنبنَّ قرناء السوء
ياأيها المغرور في هذا العمل ........ إلى متى هذا التراخي والمهل
مالي أراك لم تفد فيك العبر .......... ويحك هذا القلب أقسى من حجر
لو يعلم الإنسان وقت موته .......... ما ذاق طول الدهر طعم قوته
وأفلس الناس طويل الأملِ ........... مضيع العمر قليل العمل
نهاره أمضاه في البطاله .............. وليله في النوم بئس الحالة
ثم الصلاة والسلام سرمدا ........... على النبي العربي أحمدا
«اللهم إني أعوذ بك من العَجْزِ وَالكَسَلِ، والبُخْلِ والهَرَمِ، وَعَذابِ القَبْرِ، اللهم آت نفسي تقواها، وزَكِّهَا أنت خير من زكاها، أنت وَلِيُّهَا ومولاها، اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع؛ ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع؛ ومن دعوة لا يُستجاب لها».
كتبه د ابوالحسن علي بن محمد المطري حفظه الله ورعاه
الثلاثاء ٢٨ جماد اول ١٤٤٥